فبراير
16
2013

حقوق الإنسان في فلسطين… بين الواقع والمأمول

محمد الديري

في ظل المتغيرات السياسية المتلاحقة في الشرق الأوسط أبان الثورات التي أطلق عليها اسم الربيع العربي والتي جاءت استجابة لسنوات من القهر والتعسف وانتهاك حقوق الإنسان السياسية والثقافية والاقتصادية والدينية والحق في الحياة والمتمثلة في التعذيب والقتل ، كان من المفترض لهذه الثورات أن تعمل على تصحيح وتصويب ومعالجة هذه الانتهاكات … ولكن الفاجعة كانت بإصدار مؤسسات حقوق الإنسان الدولية مؤخرا تقريرا يؤكد أن الحكومات التي جاءت بعد ثورات الربيع العربي لاتحترم حقوق الإنسان ، وهذا مايدعو إلي القلق والاستغراب ، فكيف لأناس كان يمارس ضدهم التعذيب وانتهاك الحقوق أن يصبحوا جلادين ، مما يدل دلالة قاطعة على أن سيكولوجية الإنسان العربي وتكوينه النفسي مبنيا على الانتقام وإقصاء الآخر ونفيه ، في الوقت الذي جاءت به هذه الحكومات  بشكل ديموقراطي وهو الانتخابات ، وهذا بدوره يقودنا إلي مفهوم مهم في فهم الديموقراطية لدي الإنسان العربي وهو الاعتقاد الخاطئ بأن الديموقراطية هي الانتخابات فقط واعتبارها حلالا لأنها الوسيلة الوحيدة الموصلة للحكم باعتبار أن حركات الإسلام السياسي هي من وصلت للحكم في مؤخرا ، وبالتالي فان العرب بمافيهم نحن في فلسطين  نستخدم الديموقراطية فقط  ليس من واقع الإيمان أو الاقتناع بها وإنما من اجل الترويج لها واعتبارها (برستيجا ) لتسويقه لدي الأوروبيين والأمريكان من اجل استجلاب الدعم المادي والتمويل الأجنبي سواء كان ذلك على الصعيد الرسمي الحكومي أو غير الحكومي .

فبالنظر إلى الوضع الفلسطيني يجب أن نفرق  بين مفهومين وهما ( حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ) فحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية والحق في التعليم والمساواة ومنع التعذيب ) هي حقوق يجب على الدولة أن تحترمها وتمنحها وقت السلم ) أما ( القانون الدولي الإنساني فهو المتعلق بحماية المدنيين وممتلكاتهم والأسري حسب اتفاقيات جنيف الأربعة سواء المتعلقة بالجيوش المتقاتلة آو الأسري أو المدنيين فنحن هنا نتكلم عن الإنسان .

ففي الحالة الفلسطينية المتشعبة والمتشابكة نحن نتحدث عن عدة إطراف وهي ( الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني – حكومة فتح وشعب الضفة الغربية وحكومة حماس وشعب قطاع غزة ) اى أن المواطن الفلسطيني بشكل يومي يتعرض للانتهاك سواء كان ذلك من الاحتلال آو من حكومتي رام الله وغزة على صعيد حقوق الإنسان آو انتهاك القانون الإنساني أبان العدوانين على قطاع غزة عام 2008 – 2009 آو العدوان الأخير 14 -11 -2013 والانتهاك اليومي على الحواجز والتوسع الاستيطاني ومصادرة ممتلكات المواطنين وتعذيب الأسري الفلسطينيين بالسجون ، إذن فالمواطن الفلسطيني محاصرا أمام ثلاثة قوي وهي احتلال وحكومتين ، يتفنن كل منهما في جلد المواطن الفلسطيني بشكل يومي ومؤسسات حقوق إنسان فلسطينية لايقتصر دورها إلا على العد فقط .

فمن خلال متابعتي لهذه المؤسسات وماتعقده من ندوات وورش عمل وما تصدره من مجلات وكتب وتقارير وماتقوم به من زيارات وماتقدمه من توصيات لاتزال مقيدة وتأثيرها محدود جدا على نخبة من قادة الرأي العام والنشطاء ولاتصل لصناع القرار آو المواطن العادي  ، كل ذلك يأتي في ظل تنكر الاحتلال  والحكومتين لدور هذه المؤسسات التي لايوجد لها سلطة تنفيذية اوقوانين تحميها وتعمل بها بشكل كاف ، وفي أحيان أخري هي بحاجة لمن يدافع عنها في ظل قيام احدي الحكومات بإغلاق مقراتها والتضييق عليها والاعتداء على ناشطيها وموظفيها ومكاتبها .

فحينما يتعلق الأمر بالسلوك الإنساني فنحن أمام ثلاثة أمور وهي ( معتقدات – مشاعر –سلوك ) ودور مؤسسات حقوق الإنسان عادة هو تغيير سلوك الحكومة تجاه احترام حقوق الإنسان ومنحه الحقوق الثقافية والسياسية والاقتصادية ، مع تغافل وتجاهل هذه المؤسسات لدورها في تغيير المعتقدات والقيم المتأصلة في عقلية الإنسان الفلسطيني عندما يكون في موقع المسئولية فتعيير المعتقد أصعب بكثير من تغيير السلوك فمع تغيير المعتقد يتغير السلوك للأبد ونحن هنا إمام تساؤل مهم ؟؟؟ وهو هل حقوق الإنسان تمنح وتعطي وتحترم فقط من قبل الحكومة ؟

… حسب اعتقادي لا فان هناك حقوق إنسان يجب أن تحترم من قبل المواطنين لبعضهم البعض فحسب اطلاعي اليومي عن المشاكل العائلية والاجتماعية فان المواطن الذي يمارس ضده التعسف من طرف الاحتلال اوالحكومة فهو يحاول ممارسة هذا التعسف والانتهاك ضد أسرته آو عائلته آو أبنائه أو جيرانه ، إذن فنحن أمام عجلة ومنظومة من الأطراف يؤثر كل منهما في الآخر بشكل سلبي على سائر المجتمع بأكمله .

فلو وحدنا كل الجهود والطاقات لتنظيف مدينة آو حي من الأحياء من القمامة في لحظة واحدة وفي يوم واحد … سنعود في اليوم التالي لنجد الشوارع ممتلئة بما تشمئز منه القلوب والأبصار .

إذن فنحن بحاجة لتغيير معتقدات وثقافة المواطنين بعدم إلقاء القاذورات والمحافظة على بيئة جميلة حينها يتغير السلوك ، وهذا يقودنا إلى دعوة مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام ووزارة التربية والتعليم العالي والأطر والمجالس الشبابية لصياغة مشروع وطني استراتيجي يستهدف التنشئة الاجتماعية للأطفال والشباب ،  فالبيئة الخارجية التي تؤثر في الإنسان هي وسائل الإعلام والمدارس والجامعات والأصدقاء والأسرة وكل هذه العوامل يجب أن تشترك وتصب في بوتقة واحدة وهي تعزيز ثقافة حقوق الإنسان واحترامها .

وكذلك السلطة التنفيذية مطالبة بإصدار القوانين الصارمة والحامية لحقوق الإنسان واحترامها وعدم التعرض لها من خلال :-

  • تأسيس هيئة وطنية عليا للدفاع عن حقوق الإنسان تمتلك سلطة تنفيذية ولو استدعي الأمر تأسيس شرطة لحقوق الإنسان .
  • ضرورة وجود ادراة لحقوق الإنسان في الوزارات والأجهزة الأمنية.
  • ضرورة إدراج ثقافة حقوق الإنسان في المدارس والجامعات الفلسطينية واستحداث تخصصات جديدة .
  • تشجيع المنح المتعلقة بحقوق الإنسان وتشجيع مشاركة الشباب في مخيمات لحقوق الإنسان وتشجيع ودعم المبادات الشبابية .
  • تأسيس مجالس شبابية محلية لتوسيع مشاركة الشباب في الحكم الديمقراطي الرشيد وخلق قيادات شبابية اجتماعية ومجتمعية تعمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان لدي الشباب والأطفال من خلال ورش العمل والندوات والمخيمات .




اترك تعليق



حول المدونة

تهدف المدونة الى حشد وسائل الإعلام من أجل تعزيز المواطنين والمجتمع المدني لصالح حقوق الإنسان، والإصلاح الديمقراطي، والمصالحة الفلسطينية الداخلية" مشروع تموله المفوضية الأوروبية، وتنفذه شبكة "معا" الإخبارية بالتعاون مع مؤسسة الحق لحقوق الإنسان.

الــشــركــاء

Maan Al-Haq EU

روابط

  • .